صناعة الرواية / بناء الشخصيات

كيف تبني شخصية روائية لا ينساها القارئ؟ السر في الهدف والدافع

من تجربتي مع سمر شكري شعيب في "لا تبدأ القتل"، وخمس أدوات تجعل الشخصية تحرّك الحكاية بدل أن تتحرك بأوامر الكاتب.

غلاف مقال بناء شخصية روائية لا ينساها القارئ؛ الكاتب أمير عاطف ومخطط بصري يوضح هدف الشخصية ودوافعها وصراعها
الهدف يخبرنا بما تسعى إليه الشخصية، لكن الدافع يفسّر لماذا لا تستطيع التراجع.

من الشخصيات التي استنزفتني في كتابتها، كانت هناك شخصية أحببت كل مشهد جمعني بها على الورق: سمر شكري شعيب، من روايتي "لا تبدأ القتل" .

كان بإمكاني أن أكتفي بعبارة واحدة لتعريفها: امرأة تريد الثراء والحياة المرفهة. لكن لو توقفت عند هذه العبارة، لما ظهرت سمر التي يعرفها قراء الرواية. فالهدف وحده لا يصنع شخصية؛ الذي يصنعها حقًا هو ما يدفعها نحو هذا الهدف، وما تفعله كلما صار الوصول إليه أصعب.

وإذا كنت تعمل على بناء شخصية روائية وتجد أنها تبدو جيدة في بطاقة التعريف، لكنها باهتة داخل المشاهد، فربما تحتاج إلى مراجعة الفارق بين هدف الشخصية ودوافعها، قبل أن تضيف مزيدًا من الصفات والتفاصيل.

ما الفرق بين هدف الشخصية الروائية ودافعها؟

الهدف هو النتيجة التي تحاول الشخصية الوصول إليها. أما الدافع فهو السبب الذي يجعل تلك النتيجة مهمة إلى هذه الدرجة. والاحتياج الداخلي هو ما قد ينقص الشخصية على المستوى النفسي أو العاطفي، سواء أدركته منذ البداية أم لم تدركه.

قد يريد شاب شراء منزل كبير. هذا هدفه. لكن لماذا يريده؟ ربما لأنه نشأ في بيت ضيق وكان يخجل من استقبال أصدقائه، أو لأنه يتصور أن امتلاك المنزل سيجعله موضع تقدير عائلته.

وربما يكتشف، بعد أن يقترب من حلمه، أن ما يحتاج إليه فعلًا ليس منزلًا أكبر، وإنما أن يتوقف عن قياس قيمته بنظرة الآخرين.

لاحظ كيف تغيّرت الاحتمالات رغم أن الهدف الخارجي واحد. الآن تستطيع أن تختبر الشخصية في مواقف محددة: هل تقترض؟ هل تخفي وضعها المالي؟ هل ترفض فرصة مشبوهة أم تقبلها؟ لم نعد أمام صفة تقول "طموح"؛ أصبحنا أمام إنسان يمكن أن يتخذ قرارًا وتترتب عليه عواقب.

سمر شكري شعيب: شخصية تعبت في بنائها واستمتعت بكتابتها

أعترف أن رسم سمر كان واحدًا من أصعب مراحل كتابة رواية "لا تبدأ القتل". لم أتعب في تحديد مظهرها الخارجي فقط، بل في تكوينها الداخلي، وطريقة حديثها، وتحركاتها، وردود أفعالها. أردت أن يكون وراء سلوكها منطق نابع من شخصيتها، لا مجرد تعليمات مني بصفتي الكاتب.

كان هدف سمر الظاهر أمام القارئ واضحًا: أن تصبح ثرية وتعيش حياة مرفهة. لكنها لم تُخلق على الورق بدافع واحد سهل التفسير؛ كانت وراء أفعالها دوافع كثيرة ومعقدة، وكان عليّ أن أبنيها وأكشف أثرها في الوقت المناسب على امتداد الرواية.

ولم يكن الوصول إلى ما تريد بلا ثمن. دفعت سمر أثمان اختياراتها على مراحل، حتى آخر كلمة في الحكاية.

المدهش أن هذا الجهد كله لم يجعلني أكره الكتابة عنها. بالعكس: كنت أسعد كلما جاء دور مشهد تظهر فيه سمر، وأستمتع بكتابة حضورها وكلامها وتصرفاتها.

لهذا لا أندهش من محبة كثير من قرائي لها وإشادتهم بها، رغم اختلاف ما فعلته بين الخير والشر. لقد ظلوا يسألونني عنها على مدار أربع سنوات. وأحتفظ هنا بما وراء هذه الأسئلة لمن يريد أن يكتشف الرواية بنفسه؛ فلا أحب أن أفسد على قارئ لم يبدأها بعد مفاجآتها.

القارئ ليس مضطرًا إلى الموافقة على قرارات الشخصية لكي يتعلّق بها؛ لكنه يحتاج إلى أن يشعر أن لهذه القرارات أسبابًا ونتائج تستحق المتابعة.

خمس أدوات لبناء شخصية روائية مقنعة لا تُنسى

اكتب الهدف في صورة شيء يمكن السعي إليه

"يريد أن يكون سعيدًا" ليست إجابة كافية للتخطيط. ما الذي سيفعله تحديدًا؟ هل يسافر؟ يستعيد ميراثًا؟ يكشف سرًا؟ الهدف القابل للتصوّر يمنحك أحداثًا وعقبات، بينما الرغبة الفضفاضة لا تخبرك ماذا ستكتب في المشهد التالي.

لا تكتفِ بأول تفسير للدافع

اسأل "لماذا؟" مرة ثانية وثالثة. قد يكون الدافع المعلن مختلفًا عن الدافع الذي تخشى الشخصية الاعتراف به. وقد تتزاحم دوافعها بدل أن تتفق. لكن لا تمنحها عقدًا نفسية لمجرد أن تبدو عميقة؛ اختر ما سيؤثر فعلًا في أفعالها داخل الرواية.

اكشف الدافع من خلال اختيار صعب

بدل أن تقول للقارئ إن الشخصية شجاعة أو أنانية، ضعها أمام فرصة تحقق لها مكسبًا لكنها قد تؤذي شخصًا عزيزًا. ماذا ستفعل؟ وماذا ستبرر لنفسها بعد ذلك؟ في مثل هذه اللحظات يظهر الفرق بين ما تقوله الشخصية عن نفسها وما تفعله حقًا.

اجعل صوتها وحركتها وردّ فعلها امتدادًا لتكوينها

ليست كل شخصية غاضبة تصرخ، ولا كل شخصية قلقة ترتجف. قد تصمت إحداهما وتبدّل الموضوع، بينما تهاجم الأخرى قبل أن تسمع السؤال كاملًا. التفاصيل الخارجية مهمة حين تخبرنا بشيء عن الداخل، لا حين تتحول إلى قائمة أوصاف لا تغيّر شيئًا.

دع القرارات تترك أثرًا وتطلب ثمنًا

إذا اتخذت الشخصية قرارًا خطيرًا ثم عادت حياتها كما كانت، فقد ضاعت فرصة درامية. ليس ضروريًا أن تُعاقَب على كل خطأ، لكن ينبغي أن تغيّر اختياراتها شيئًا: علاقة، ثقة، فرصة، أو صورتها عن نفسها. هكذا يصبح تطورها نتيجة للحكاية لا فقرة يشرحها الراوي.

تمرين عملي: هل تعرف شخصيتك فعلًا؟

خذ الشخصية التي تعمل عليها الآن. اترك عمرها ولون عينيها وملابسها جانبًا لدقائق، وأجب عن الأسئلة التالية دون شرح مطول:

ورقة بناء شخصية / ستة أسئلة
  1. الهدف: ما الشيء المحدد الذي تسعى إليه الآن؟
  2. الدافع المعلن: لماذا تقول إنها تريده؟
  3. الدافع الأعمق: ما السبب الذي قد لا تعترف به بسهولة؟
  4. العقبة: مَن أو ما الذي يمنعها من تحقيقه؟
  5. الاختيار: ما القرار الذي سيكشف أولوياتها الحقيقية؟
  6. الثمن: ما الذي يمكن أن تخسره إذا تمسكت بهذا القرار؟

والآن الاختبار الأصعب: اكتب مشهدًا من 150 كلمة تقريبًا، تضع فيه الشخصية أمام اختيارين لا تستطيع الجمع بينهما. لا تشرح للقارئ دوافعها مباشرة؛ دعه يستنتجها من كلامها وما تفعله وما تتجنّب فعله.

إذا اكتشفت أنك لا تعرف لماذا اختارت أحد الطريقين، فلا تضف حدثًا جديدًا بعد. ارجع إلى دوافعها. وإذا كان هدفها واضحًا لكنك لا تعرف كيف سيُحرّك أحداث الرواية، فراجع دليلي عن التخطيط للرواية قبل الكتابة .

هل يجب أن يحب القارئ الشخصية؟

ليس بالضرورة. قد يغضب من تصرفاتها، أو يرفض اختياراتها، أو يختلف معها طوال الطريق. لكن الشخصية التي يعرف ما الذي تريده، ويفهم قوة الدوافع التي تحركها، ستمنحه سببًا ليتابع ويسأل: ماذا ستفعل الآن، وإلى أين ستصل؟

وهذا ما تعلّمته من سمر شكري شعيب. لم تكن صعوبتها في عدد التفاصيل التي كتبتها عنها، بل في جعل تلك التفاصيل تعيش في مشاهدها وقراراتها، وتبقى آثارها مع القارئ بعد أن يغلق الكتاب.

لا تبدأ ببناء شخصية تريد من القارئ أن يحبها. ابدأ ببناء شخصية تعرف أنت جيدًا ماذا تريد، ولماذا تريده، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه.